محمد حسين الذهبي

597

التفسير والمفسرون

قال إنه نبي ، ومنهم من قال : إنه حكيم . وكل هذه أقوال ليس لها سند يعول عليه ، وبعد أن وصفه اللّه بالحكمة فلا يرفع من شأنه أنه كان من أشرف الأمم ، ولا يضع من قدره أنه كان زنجيا مملوكا « 1 » ) . عنايته بإظهار أسرار التشريع : كذلك نجد الأستاذ الأكبر يهتم في تفسيره اهتماما كبيرا بإظهار سر التشريع الإسلامي ، وحكمة التكليف الإلهى ؛ ليظهر محاسن الإسلام ، ويكشف عن هدايته للناس . فمثلا عندما تعرض لآيات الصوم في سورة البقرة ، نجده يفيض في سر الصوم وحكمته فيقول : ( الصيام أحد الأركان الخمسة التي بنى عليها الإسلام ، وهو رياضة بدنية ، وتهذيب خلقي ، وتطهير روحي ؛ ذلك أن الاسترسال في الشهوات ، والانغماس في اللذات حجاب بين الروح وبين الكمالات القدسية والفيض الإلهى ، يعوقها عن تلقى الإلهام وعن لذة الاتصال ، ولذلك يلجأ أرباب المقامات والعارفون إلى الصوم ، كلما أحسوا بعدا عن الذات الإلهية ، وانزعج خاطرهم شوقا إلى القرب منها ) . ( وفي الصبر على الحرمان من اللذات التي تنازع إليها النفس ، وتقتضيها الطبيعة ، تربية للإرادة ، وتقوية على المضي في العزم ، وعدم نقض العقد والعهد إذا وسوس الشيطان وزين للنفس الخروج عن العهود ؛ لما فيها من المشقات ، وفي تقوية الإرادة على هذا النحو إعداد لتلقى التكاليف الإلهية بالقبول والطمأنينة ، وتثبيت لملكة المراقبة والخوف من اللّه ، وتقوية لخلق الحياة ، وفي هذا كل الخير ، وبه تتحقق تقوى اللّه ، وتستعد النفس للسخاء ، والبذل والتضحية ، إذا دعى الداعي ، وحان وقت الفصل بين شجعان الرجال وجبنائهم ، وبين كرامهم وأنذالهم ) . ( وليس يخفى أن كل شئ في هذه الحياة ممكن . الفقر بعد الغنى ، والمرض

--> ( 1 ) تفسير سورة لقمان ص 18 مطبعة الأزهر سنة 1942 م .